«الغرِيب» في لبنان.. بين الشوفينية والطائفية
«الغرِيب» في لبنان.. بين الشوفينية والطائفية

إن المسافة في لبنان بين شمال لبنان- طرابلس «طابعها الطائفي الغالبية سنية»؛ حيث كسروان «شرقية» وهو مصطلح اُستخدم في الحرب للدلالة على شرق بيروت، وفيه سمة تشير إلى القسم المسيحي من لبنان. وبيروت الغربية «غربية» وهو مصطلح يدل على غرب بيروت وفيه سمة دالة على القسم المسلم من لبنان. هي مسافات حتى لو مرّ على الحرب سنوات طوال، رواسبها في نفوس المقاتلين، المواطنين الأصحاء، وبعض ممن تأثر بأفكار الأحزاب التي تستخدم شعارات الحرب.

الفتنة التي لا تنتهي، إلا بعد أن ينتهي ما بين الناس من روابط تجمعهم. هكذا تحول رابط نظام اللا مركزية الإدارية بالمركزية الإدارية، بيروت بعد الحرب إلى «كبكوب شوك» لبعض الذين كانوا مقاتلين في الحرب اللبنانية بصفة «مقاتلين حرب»، الذين لم ينخرطوا بعد في نمط التفكير الحديث العصري. حيث يستخدمون هذا النمط من التفكير باعتباره أداة انتخابية؛ فتتكاثر الشعارات السياسية القائمة على الطائفية مثل؛ «حقوق المسيحيين، مناصب مسيحية، أهالي المنطقة الفلانية، حصة مسيحية، البيئة الشيعية، الشيعة المعارضون، المجتمع السني، المسيحي وسط محيط إسلامي»؛ فتكوّنت تحالفات سياسية، وانقسامات طائفية، ومواقف فترة الحرب، وكأنها أحداث آنية؛ حتى تشتعل ذاكرة جيل الحرب ذاك بمآسي أصدقاء حاربوا على الجبهة، وخسروا قطعة من الجسد. تُهم الحرب لا تغيب عن الأحاديث، فيُخيل بأن اللبنانيين خضعوا لفرز في ميموري: «شرقية غربية، هني نحنا». يأتي الشوك من ضياع مرجعية بيروت العاصمة في ظل فوضى المناطق. من يعرف استخدامه يتربع على عرش الوزارة. إما تجرح نفسك به أو تجرح خصمك بناره تمامًا مثل كُرة نار «حزب الله»؛ حيث استخدم كرة نار لإقفال النوافذ على حليف الخصم، تكتيك الاختصام المعتمد للتيار الوطني الحر «حزب الرئيس».

المجتمع اللبناني لم يتخط صدمة الحرب، ولا نكبة «ضرب المنطقة المسيحية»، وحروب المسيحيين بين بعضهم البعض، «حرب الجبل»، «حرب المائة يوم» حتى مع سلسة التفاهمات السياسية من تفاهم معراب، وورقة التفاهم مع «حزب الله»، تفاهم مع تيار مستقبل، مصالحة ومصارحة الجبل في ظل هذا الواقع: «فيك ما تفهم شيء، بس ما فيك تنبش غيرك كيف فات!» أما عن الزيارات لهذه «الغربية» أي ضاحية بيروت وبيروت، البعض مضى على زياراتهم ستة أعوام، دافعها الأساسي الأوراق الرسمية؛ إنه نظام الحصرية الإدارية والشرقية منه، البعض ما عاد يولي «كسروان» الأهمية التي كانتها بعد فترة الحرب، يفضلون إما المتن لقربها من العاصمة، أو جبيل للاختلاط الإسلامي. لا يخفى على أحد بأن النظام الإداري اللبناني ما زال متخلفًا بين الحصرية واللا مركزية على شكلها القائم بالبلديات .

في الفكر الضيق بالزواريب السياسية والاجتماعية؛ نجد أن «أولاد المنطقة» لها ثقلها في التجارة أكثر من أي شيء آخر، فتصرف أصواتًا في الانتخابات البلدية أو النيابية فيكون الفرز طائفيًا بطبيعة الحال؛ مسيحيّة على تعدد مذاهبهم، سنة بسنّة، شيعة بشيعة معارضة، سنة معارضة بشيعة معارضة، هويات وهويات، وانتماءات وانتماءات. ما زال الخوف من الاختلاف طاغٍ؛ هي ذاكرة مضرّجة بالدماء، كلها تفاصيل تنعكس على مبادئ تصرفات هذا الجيل، أو ذاك الذي خاض الحرب، حتى بعد تحطم خطوط التماس، وصمت المدافع. لا يقتصر التصدع في البنيان الاجتماعي في الحديث عن الحرب وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية، قد يصل الشرخ في حالات كثيرة إلى رفض مطلق لأي صلة تستمر مع ابن الغربية والعكس. التهديد في رأس منظومة الطائفية وذكريات الحرب لا هذا الحاضر.

قلة خرقوا رتابة العلاقات الاجتماعية ذات الصبغة الواحدة، وتخطوا الأفكار الموروثة؛ حيث لم تؤثر التربية الطائفية على البعض ربما بفعل العولمة، أو بفعل روح الاكتشاف والتعرف، وبناء صداقات من مناطق متعددة، ومن كافة الطوائف. البعض يتخذ من تجارب المقاتلين خريطة تحدد لهم حتى نوعية التحالفات السياسية، والعلاقات الدولية؛ فتقوم صحف على هذا الفكر.

خارطة الـ «نحن والآخرون» تحددها نظرة الغريب، والغريب قد يكون أي آخر يختلف في المصالح السياسية ولو جمعهم الاقتصاد. الآخرون يتلونون في الدين لكن الهوية ترمز إلى الانتماء، والمناطقية مهما كانت ورقة الضغط الاقتصادية قوية، حيث كلما زاد الشعور بالانتماء المناطقي يعلو صوت التطرف الديني. حيث مُستخدمو ورقة الدين يشحذون دائمًا هذه الهمة في لعبة الاقتراع.

هكذا يبدو لبنان بعيدًا كل البعد، مسافات ومسافات عن تطبيق دستوره، تلك المادة التي تقول بإلغاء الطائفية السياسية؛ فتأتي اللعبة الاقتراعية بمنظومتها لتلغيها؛ فيصبح العلماني ليس مجرد باحث عن بيئة تحضنه فقط بل باحثًا عن كيف يسد ربما دينه. فأي رجل سياسي يهمه إلغاء سلاحه وورقة هويته وهي العصبية الدينية، والمناطقية المستخدمة سلبيًا في سياق تحقيق اللا مركزية الإدارية؛ من أجل أهداف كبرى أن يُشعر الزعيم عندما يصل إلى زعامته كل محازبيه بأن لا شأن لهم أكثر مما له هو من شئون.

المصدر : ساسة بوست