الطلبة العرب المُغتربون والانتقال الديمقراطي
الطلبة العرب المُغتربون والانتقال الديمقراطي
شكّلت الدورة السادسة للمؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في تونس (22ـ 24 سبتمبر/ أيلول 2017) تحت عنوان "الجيل والانتقال الديمقراطي"، فرصة مهمة للباحثين العرب، من داخل الوطن العربي ومن خارجه، لعرض (ومناقشة) مقارباتهم المتنوعة لعدة إشكالات، يطرحها هذا الترابط العلائقي الثري بين مفهومي "الجيل" و"الانتقال الديمقراطي" في سياق عربي يشهد، منذ بداية الربيع العربي ولا يزال، مخاضا انتقاليا أسهم في تأسيسه جيل الشباب العربي، ليس فقط داخل رقعة الجغرافيا العربية، بل حتى من خارجها.
وكان لي شرف عرض نتائج دراستي في إطار هذا المؤتمر البحثي، والتي تعاطت عن قرب مع نخبةٍ عربية نادرا ما تلتفت إليها العلوم الإنسانية والاجتماعية العربية، وهي فئة الطلبة العرب المُغتربين، في محاولة بحثية لرد نوع من الاعتبار الرمزي لهذه الفئة الجيلية المهمة، والتحسيس بحضورها اللامكاني في الوطن العربي، على الرغم من البعد الجغرافي عنه، حيث سعيتُ إلى تسليط الضوء على تمثلات هؤلاء الطلبة العرب، وخصوصا في الجامعات الألمانية، بشأن الانتقال الديمقراطي، في محاولة لفهمها في ارتباطها أيضا بمجموعة من القضايا الملحة، مثل مفهوم الديمقراطية نفسه، ومواقفهم من الربيع العربي، ومدى اهتمامهم بمجريات الأحداث العربية، بوصفهم امتدادا للشباب الجامعي العربي خارج الرقعة العربية، وقد استأنستُ لهذا الأمر ببعض النتائج المهمة التي توصل إليها المؤشر العربي لسنة 2016، وهو أيضا من
"ضرورة التعاطي البحثي مع هذا الوجود العربي المتزايد خارج رقعته الجغرافية، عن طريق إجراء دراسات مُوسّعة"
مشاريع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وخصوصا المرتبطة بالتعاطي الشبابي مع قضايا الديمقراطية والربيع العربي والمشاركة الافتراضية في المنطقة العربية.
وما أثار انتباهي في أثناء إنجازي هاته الدراسة، أنه على الرغم من التنوع الطبيعي لدى هؤلاء الطلبة والطالبات الشباب في تمثل الديمقراطية مفهوما، إلا أن تعريفاتهم العفوية بَيَّنَت قدرتهم على تقديم تعريف محدّد لهذا المفهوم، ما عكس تصورا واضحا في أذهانهم لثقافة الديمقراطية، التي يُعايشونها يوميا ويتفاعلون مع تمظهراتها في مختلف مناحي الحياة في بلد ديمقراطي، مثل ألمانيا، مُظهرين في الوقت نفسه، انحيازا إيجابيا إلى النظام الديمقراطي، باعتباره ممارسة سياسية تكفل للمواطن الحُريات والحقوق السياسية والمدنية واستمراريتها. وهنا، رأى معظمهم أنه لا يوجد في نظرهم أي تعارض بين الإسلام والديمقراطية، بمعنى أنهم لا يعتبرون الإسلام عائقا أمام انتشار الديمقراطية في الوطن العربي، وهو شبه إجماع بينهم، على الرغم من تنوع تعاطيهم مع هاته العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، والتي تعتبر من أهم القضايا الإعلامية في ألمانيا. وعموما عبّر معظم هؤلاء الشباب أن الوطن العربي، مثل باقي أرجاء العالم، يحتاج الديمقراطية بوصفها مستقبلا لا مناص منه، ونتيجة مرتقبة لمخاض طويل تشهده المنطقة، مثلما شهدته بقاع أخرى، مثل ألمانيا التي قطعت مسارا طويلا وشاقا نحو بناء ديمقراطيتها، جعلت بعض هؤلاء الشباب يعتبرونها نموذجا تاريخيا يُحتذى به عربيا.
وبخلاف نظرتهم الإيجابية إلى الديمقراطية مفهوما وممارسة، اتسمت مواقف هؤلاء الشباب بطابع السلبية من مآلات الربيع العربي، ونتائجها الماثلة أمامنا، في مرحلة ما بعد ثورات الربيع، حيث اعتبر جلهم أن الربيع العربي فشل، ولم يحقق الأهداف المرجوة منه، بل جلب على المنطقة العربية كوراث إضافية، وخصوصا في دوله، وقد عبّروا عن موقفهم شبه الموحد هذا، في المقابلات التي أجريتها معهم، بنوع من المرارة والتحسر والقلق على مستقبل المنطقة العربية، غير أن بعضا منهم اعتبر فشل الربيع العربي ليس نهاية الطريق العربي نحو الديمقراطية، بمعنى أنه من المحطات التاريخية للتحول الديمقراطي، ولا بد له من بدائل مستقبلية.
أما تصورات هؤلاء الشباب عن الانتقال الديمقراطي، بوصفه مفهوما، فقد تباينت إلى درجة التضارب، ولا غرابة في هذا، ذلك أنه حتى في الأدبيات التنظيرية ذاتها يُلاحظ تنوع كبير في التعريفات المقدّمة لهذا المفهوم، بل واختلاطه مع مفهوم التحول الديمقراطي، لكن على الرغم من هذه الضبابية المفهومية، أجمعت كل آرائهم على شبه انعدام وجود أي انتقال حقيقي إلى الديمقراطية في الوطن العربي، ما عدا الحالة التونسية الراهنة، ما عكس نظرة تشاؤمية لغالبيتهم بشأن مستقبل الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي، بمعنى التغير نحو الحكم الديمقراطي. حيث يرى جل من قابلتهم أن الطريق العربي نحو الديمقراطية شاق ومُرهق، وقد يحتاج وقتا طويلا، بالنظر إلى الحاضر الصعب الذي يتفشى فيه الجهل والأمية، ويغيب فيه وعي عربي بأهميتها، وهذا التوصيف يكاد يتطابق مع ما يُقصد به، في الأدبيات السياسية، بالتحول السياسي، أي عملية التحوّل التدريجي من اللاديمقراطية نحو الديمقراطية، والذي يطرأ في بلد ما من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وهو بهذا المعنى سيرورة مجتمعية، عكس مفهوم الانتقال الديمقراطي الذي يُستعمل بالأحرى، بوصفه نتيجة تغير نظام الحكم إلى الديمقراطية.
وعلى الرغم من هاته النظرة التشاؤمية، قال لي جُلُّ من قابلتهم من الطلبة العرب المغتربين أن لديهم اهتماما دائما ومتواصلا بالشؤون السياسية والاجتماعية ومجرياتها، ليس فقط في بلد الأصل خصوصا، بل أيضا في بقية الدول العربية، على الرغم من انشغالاتهم اليومية وأعباء الدراسة الجامعية في ألمانيا، حيث صَرَّحوا أنهم يستقون الأخبار والمعلومات عن بلدانهم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها "فيسبوك" ثم "يوتيوب" والإعلام الإلكتروني
"عبّر معظم هؤلاء الشباب أن الوطن العربي، مثل باقي أرجاء العالم، يحتاج الديمقراطية بوصفها مستقبلا لا مناص منه"
العربي، إلى جانب بعض القنوات الإخبارية العربية والألمانية، حيث يُمكّنهم "فيسبوك" خصوصا من التواصل الدائم والتفاعل الآني مع مختلف القضايا التي تهمهم، بل وأيضا التعبير عن آرائهم بشأن المجريات السياسية والمجتمعية في المنطقة، ولو افتراضيا كما لو أنهم لا يزالون في أوطانهم، ويبدو هنا أن البعد الجغرافي، إضافة إلى وتيرة الحياة المتسارعة في بلد متطور، مثل ألمانيا، لم يثنيا هذه النخبة الجامعية المهاجرة عن التعاطي مع المرحلة الراهنة التي يجتازها الوطن العربي، والأكيد أن شبكات التواصل الاجتماعية ساهمت، بشكل حاسم، بل وبشكل غير مسبوق، في كسر الحواجز الزمنية والمكانية وتجاوزها، بل والتمكين من التفاعل الافتراضي مع الوطن العربي، ولو من خارج رقعته الجغرافية.
وقد تولّد لدي انطباع، في أثناء المقابلات مع هؤلاء الشباب الجامعي، وكانت مفتوحة ومطولة بل وصريحة، أن مواقف هؤلاء الشباب بدت بعيدة كل البعد عن كونها مجرد قناعات جامدة تعكس إيديولوجيات سياسية معينة، حيث كان من الصعب لي، كباحث، تصنيف أقوال عديدين منهم من كونها، على سبيل المثال، ذات خلفية إسلامية أو ماركسية أو علمانية أو يسارية أو حتى قومية، بل بدت لي كأنها جيل جديد من التصورات غير المُسيسة، بل والنقدية للواقع العربي، على الرغم من الوجود خارج جغرافيته، وهنا القيمة المضافة لهذه الدراسة التي أدرجها المؤتمر السنوي ضمن جدول أعماله، في أنها قد تعاطت مع فئةٍ مجتمعيةٍ عربيةٍ، أهملها البحث الاجتماعي العربي بوضوح، ما يجعل أبعادا متعدّدة مرتبطة بالمواقف السياسية للإنسان العربي المغترب في علاقته مع الوطن العربي، وخصوصا بعد حركة اللجوء العربية ابتداء من سنة 2015، بلا أجوبة متكاملة، الشيء الذي يُحتّم حقيقة ضرورة التعاطي البحثي مع هذا الوجود العربي المتزايد خارج رقعته الجغرافية، عن طريق إجراء دراسات مُوسّعة، لا مناص من أن تسهر على إنجازها مؤسساتٌ بحثية عربية متخصصة.

المصدر : العربى الجديد