«100 يوم بدون حكومة».. المغرب يعيش أسوأ أزمة سياسية منذ حراك 2011
«100 يوم بدون حكومة».. المغرب يعيش أسوأ أزمة سياسية منذ حراك 2011

«انتهى الكلام»، بهذه العبارة أعلن رئيس الحكومة المغربية المكلف، «عبد الإله بنكيران»، نهاية المفاوضات حول تشكيل الحكومة مع رئيس حزب «التجمع الوطني للأحرار»، «عزيز أخنوش»، والأمين العام لـ«الحركة الشعبية»، «محمد العنصر»، وهو ما يزيد من تعميق الأزمة السياسية في المغرب، بعد عطلة دامت قرابة مائة يوم، والبلد بدون حكومة.

تطورات «البلوكاج السياسي» في المغرب

لا يزال رئيس الحكومة المكلف، عبد الإله بنكيران، عاجزًا عن جمع أغلبية نيابية لتشكيل الحكومة؛ إذ بالرغم من حصول حزب «العدالة والتنمية» الفائز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بـ125 مقعد، ونيل حليفه التقليدي، حزب «التقدم والاشتراكية» 12 مقعدًا، إلا أن مجموع هذه المقاعد لا يخول لعبد الإله بنكيران تشكيل حكومة ذات أغلبية برلمانية، بالنظر إلى أن النصاب القانوني ينبغي أن يبلغ 198 مقعد من أصل 395 مقعد.

الأمر الذي يحتم على رئيس الحكومة المكلف البحث عن شركاء جدد؛ لتشكيل ائتلاف حكومي ذي أغلبية نيابية، وهو هدف لم يتحقق حتى الساعة، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المشاورات بدون جدوى.

ويعود سبب هذه الورطة السياسية في الأساس إلى تضارب الرؤى والمصالح، ففي حين يرغب حزب التجمع الوطني للأحرار، بزعامة عزيز أخنوش، في ضم حلفائه سويًا إلى الحكومة، وهم حزب الحركة الشعبية، وحزب «الاتحاد الدستوري»، بالإضافة لحزب «الاتحاد الاشتراكي»، لا يريد عبد الإله بنكيران في حكومته سوى حزبي الأحرار والحركة الشعبية، مع حليفه التقليدي حزب التقدم والاشتراكية.

وبين هذا وذاك، يُحمل كل طرف مسؤولية تبعات الجمود السياسي الطرف الآخر، في حين تزداد مشاعر الإحباط بين الرأي العام المغربي، الذي ينتظر ولادة الحكومة الجديدة التي طال انبثاقها، لتبادر بمعالجة المشاكل المعيشية العاجلة.

وبالرغم من إعلان عبد الإله بنكيران نهاية المشاورات، بعد بلوغ نفق مسدود، فقد عاد مرة أخرى إلى التصريح بأنه «مستعد للعودة إلى طاولة المفاوضات؛ إذا ما انتهت الأسباب المؤدية لنهايتها»، على حد تعبيره.

القصر والإسلاميين وانعدام الثقة

يعتقد العديد من المراقبين في المغرب أن المأزق السياسي الذي يعيشه المغرب حاليًا، ما هو سوى القمة التي تخفي الجبل العائم، حيث يرى الإعلامي المعروف، «علي أنوزلا»، أن الأزمة الحقيقية تتمثل في صراع بين إرادتين سائدتين في المشهد السياسي، إرادة القصر الذي يريد الحد من مد إسلامي متنامي، وإرادة إسلاميين ممثلين في حزب العدالة والتنمية، الذين يسعون إلى التشبث بقربهم من القصر؛ لضمان وجودهم واستمرارهم كشريك في العملية السياسية.

بينما اعتبرت «فيدرالية اليسار الديموقراطي»، في بلاغ لها، أن «الأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا هي تعبير واضح عن مشكلة بنية وشروط الفعل السياسي بالمغرب»، مؤكدة أن العملية السياسية التي ابتدأت منذ 2011 قد وصلت إلى نهايتها، وأن النظام أغلق القوس الذي اضطر لفتحه بعد مسيرات 20 فبراير (شباط) قبل ست سنوات.

وحملت الفيدرالية رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران مسؤولية ما آل إليه الأمر،  قائلة: إنه «ساهم في إنتاج هذه الأوضاع التراجعية، حيث كان في مقدمة من واجهوا حراك 20 فبراير (شباط)، وواجهوا مطلب الملكية البرلمانية ودافع بقوة عن دستور 2011».

في حين، يرى قسم من أعضاء حزب العدالة والتنمية، كما نقلت جريدة «الباييس» الإسبانية، أن القصر هو من يعيق تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران، وأوردت الصحيفة تصريح صحافي مغربي، دون أن تذكر اسمه، يقول فيه «لقد كان بنكيران من الموالين لمصالح القصر، وأنا لا أفهم لماذا وضعوا الكثير من العقبات أمامه للحكم».

وكان عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، قد أصدر توجيهات لأعضاء حزبه والمتعاطفين معه، بعدم الإدلاء بأية تصريحات صحافية حول أي موضوع كان، ولأي منبر إعلامي كان؛ في محاولة منه لضبط خرجات أتباعه؛ خشية تعميق الأزمة، وإضعاف موقفه التفاوضي.

فيما ذكرت وكالة أنباء «رويترز»، في مقال تحليلي لها، أن «المؤيدين للمؤسسة الملكية في البلاد يترددون في اقتسام السلطة مع الإسلاميين، منذ تخلي الملك عن بعض الصلاحيات في 2011 لتخفيف حدة الاحتجاجات في البلاد»، معتبرة الأزمة السياسية الراهنة في المغرب هي الأسوأ على الإطلاق منذ ما سمي بالربيع العربي.

لكن القصر يؤكد أن الملك يقف على مسافة متساوية من كل الأطراف الحزبية، وينفي مزاعم أي تدخل ملكي في المشاورات خارج الصلاحيات الدستورية المخولة للملك.

سيناريوهات الوضع المستقبلية

أمام النفق المسدود الذي وصلت إليه المشاورات الحزبية في طريقها لتشكيل حكومة ذات أغلبية، تبقى خيارات رئيس الحكومة المكلف، عبد الإله بنكيران، محدودة للغاية.

في حالة استمرار تمترس كل من عبد الإله بنكيران، المكلف بتشكيل الحكومة، وعزيز أخنوش، متزعم الحلف المكون من أربعة أحزاب سياسية، خلف مواقفهما الحالية دون تنازلات، فإن هذا يعني الذهاب مباشرة إلى انتخابات جديدة، في ظل تعثر الوصول إلى أغلبية حكومية.

غير أن هذا الخيار يبقى مستبعدًا، ليس فقط بفعل كلفته المالية المنهكة لميزانية الدولة، وإنما أيضًا نظرًا للسياق السياسي الذي ينخرط فيه المغرب، في ظل سعيه إلى العودة للاتحاد الإفريقي، وتسويقه صورة للاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد، وخيار عقد انتخابات جديدة، من شأنه أن يحبط رهانات المملكة الخارجية، علاوة على أنه لا يعد حلًا مضمونًا للأزمة الحالية.

أما الطريق الثاني، الذي لا يملك رئيس الحكومة المكلف غيره، فيتمثل في إرجاع عبد الإله بنكيران مفاتيح تشكيل الحكومة إلى الملك، «محمد السادس»، ليمارس سلطة التحكيم، باعتباره رئيسًا للدولة وضامنًا لاستمرارها، كما يقول الدستور المغربي. وهو الخيار المرجح لدى الموقع الفرنسي، «موند أفريك»، الذي يضيف أنه غالبًا سيكون في أواخر شهر يناير (كانون الثاني)، أي بعد رجوع المغرب إلى الاتحاد الإفريقي الذي سيعقد في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا.

ويبقى خيار تراجع عبد الإله بنكيران عن موقفه تجاه ضم الحلف الحزبي لعزيز أخنوش، قائمًا في كل الأحوال، خاصة وأن الرجل سبق له وأن تراجع عن كثير من المواقف الثابتة له، كمسألة تحالفه مع حزب الاستقلال، إلا أن هذا الاتجاه  سيحد كثيرًا من نفوذ حزب العدالة والتنمية في الحكومة، غير أن البقاء في السلطة قد يكون أفضل من لا شيء بالنسبة لعبد الإله بنكيران.

المصدر : ساسة بوست