أغنية "ولد الزنقة" للمطربة سعيدة فكري .. واقع عنيد وحظر بليد
أغنية "ولد الزنقة" للمطربة سعيدة فكري .. واقع عنيد وحظر بليد

ونحن نتابع باهتمام بليغ ما صاحب إطلاق الفنانة "سعيدة فكري" لأغنيتها الجديدة المصورة على شكل فيديو كليب، والتي تحمل عنوان "ولد الزنقة" وهي من كلماتنا المتواضعة، لاحظنا أن العديد من المهتمين بالحقل الفني يتحدثون عن ما أسموه ب"الحظر" الذي ضرب على الأغنية من قبل الجهات المسؤولة عن وسائل الإعلام الوطنية الرسمية والخاصة، وخاصة الإذاعات والقنوات التلفزية، وهو ما دفعنا لتسليط هذه الإضاءة المقتضبة على أسباب ودوافع كتابتنا لكلمات تلك الأغنية، وإبراز خطورة ما تعيشه تلك الفئة من طفولتنا البريئة في صمت.

إذا كان المشرع المغربي قد شرّع عددا من النصوص والقوانين لحماية الطفولة، وأحاطذلك بقدر هام من العناية والضمانات القانونية، ملتزما بذلك بما جاءت به التشريعات الجنائية الدولية المتعلقة بالأحداث وبالأطفال على وجه العموم، ويتجلى ذلك بوضوح في مختلف تشريعاتنا التي لها علاقة بالأسرة، فعلى مستوى قضاء الأسرة مثلا، نجد المشرع المغربي في المادة 54 من الفرع الثاني للباب الأول المتعلق بالزواج قد أضاف بشكل واضح إلى حقوق الأطفال الواجبة على آبائهم حين سرد مجموعة من الحقوق الأساسية للطفل كحق حماية حياتهم وصحتهم منذ الحمل إلى بلوغ سن الرشد، وإثبات هويتهم بتسجيلهم في كناش الحالة المدنية، والإنفاق عليهم وتوجيههم دينيا وتعليمهم، كما أناط مهمة الإشراف على مراقبة تنفيذ هذه الواجبات إلى جهاز النيابة العامة، ومضى المشرع أبعد من ذلك في ما يتعلق بالأسرة حين حدّ من ظاهرة تعدد الزوجات التي كانت منتشرة بشكل عشوائي وأحاطها وقيّدها بمجموعة من الشروط حماية للأطفال وضمانا لحياة أفضل لهم.

وفي نفس السياق المتعلق بحماية الطفل، نجد المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود قد خصص قدرا هاما لهذه الشريحة الهشة من المجتمع حين نص بشكل صريح أن أيّ تعاقد مع طفل لم يبلغ سن الرشد والأهلية بعد دون إذن وإشعار لوالديه فلوالديه حق إبطال تلك الالتزامات والعقود، كما أباح المشرع للقاصر إمكانية الطعن في أيّ التزام بعد بلوغه سن الرشد كما جاء في الفصل 6 من الفرع الأول المتعلق بالأهلية الذي ورد في القسم الأول الخاص بمصادر الالتزامات ( ظهير 12 غشت 1913 الكتاب الأول )، كما حمل المشرع في الفصل 85 من نفس الظهير كل من يكون تحت عهدته أطفال بدءا بالوالدين والأساتذة والمربين بالمدارس والأوراش وغيرها، مسؤولية ما قد يقع للطفل أو يرتكبه الطفل خلال فترة تواجده تحت عهدتهم، كما أعفى القاصر الغير المميز من المسؤولية المدنية. كما نجد المشرع المغربي قد خصّ فئة الأحداث خلال محاكمتهم بمجموعة من الضمانات، ومتّعهم بمجموعة من الامتيازات القضائية، بدءا بفترة الاعتقال الأولي لدى الشرطة القضائية، حيت نجده قد أحدث شرطة قضائية خاصة بالأحداث، مرورا بقاضي التحقيق الخاص بالأحداث، وانتهاءا بمثولهم أمام قضاة خاصين بالأحداث، ثم إيداعهم بمؤسسات خاصة أيضا بهذه الفئة، وتمتيعهم بأقصى ظروف التخفيف مع جعل التدابير القضائية الصادرة في حقهم قابلة للمراجعة.

ومن أبرز أوجه الحماية التي نصّ عليها المشرع المغربي أيضا، ما جاء به الظهير الشريف رقم 1.02.172 الصادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (13 يونيو 2002) بتنفيذ القانون رقم 15.01 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين، وهو بيت القصيد في موضوعنا هذا، لكونه له علاقة مباشرة بفعل كتابتنا لكلمات أغنية « ولد الزنقة »والتي تعاملنا بها مع الفنانة سعيدة فكري ، فقد ألزم المشرّع المغربي النيابة العامة في شخص وكيل الملك في المواد من (4 إلى 8) بضرورة التكفل بالطفل المهمل بدءا بتوفير مكان آمن للعيش، ومرورا بضرورة تسجيله في كناش للحالة المدنية إذا كان مجهول الهوية وجعلت الحكم بكون الطفل مهملا قابلا للتنفيذ المعجل في حال انصرام ثلاث أشهر عن إعلان المحكمة وإصدارها لحكم يفيد أن الطفل مهمل دون أن يتقدم والداه لاسترجاعه، وبالتالي فيمكننا القول أنه على المستوى التشريعي فالمشرع المغربي لم يترك أيّ لبس أو فراغ يتعلق بحماية الطفل المهمل إلاّ وملأه، غير السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في السنوات الأخيرة على لسان الفاعلين الاجتماعيين ومنظمات حماية الطفولة وحقوق الإنسان، هو:

- ألا يمكن القول بأنّ كل هذا الحرص من المشرع المغربي على تيسر التشريعات القانونية الخاصة بحماية الأطفال لا يعدو مجرّد محاولة من الحكومات المغربية المتعاقبة للظهور أمام المجتمع الدولي على أنها قد أوفت بالتزاماتها الدولية، خاصة على مستوى تنفيذ الاتفاقيات الدولية الموقعة من طرف المغرب؟

إنّ واقع الحال يثبت عدم التزام النيابة العامة بتلك البنود. فعلى مستوى المواد 4 ، 5 ، 6 ، 7 و8 والتي أسندت مهمة التكفل بالطفل المهمل إلى النيابة العامة ممثلة في وكيل الملك، فما نراه يوميا من ارتفاع لأطفال الشوارع بأزقة وأحياء المدن المغربية يوضح بشكل لا يدع مجالا للشك بأنّ هذا الاختصاص يبقى مغيّبا تماما، اللهم إذا استثنينا بعض الحالات المعدودة على رؤوس الأصابع، والتي في معظمها تكون تدخلات النيابة العامة فيها بعد تفاعل المجتمع المدني والرأي العام الوطني معها بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، ويمكننا في هذا الباب سرد العديد من الحالات التي بلغ صداها للصحافة الدولية، والتي كان ضحاياها أطفال يعيشون في ظل الإهمال، والأخطر من ذلك أن بعض الحالات يتم إلقاء القبض على أصحابها بتهمة "التشرد" وهي تهمة تشكل نقطة سوداء في جبين المشرّع المغربي، على أساس أنه لا يوجد طفل أو إنسان في لعالم يختار بنفسه أن يعيش في وضعية تشرّد، والدولة هي المسؤولة عن تيسر المأوى والعيش الكريم للطفل المهمل، فكيف تحمّل مسؤولية تقصيرها في تحمل تلك المسؤولية إلى الطفل نفسه، قلنا أنه في العديد من الحالات ما يتم اعتقال الطفل بتهمة التشرد، وبعد إتمامه لفترة العقوبة يجد نفسه أمام وضعية التشرد من جديد، لأنّ تشريعاتنا القانونية لم توفر لهذه الشريحة من أبناءنا النصوص الكفيلة والملزمة للدولة بتحمل مسؤوليتها الكاملة بشكل عملي بالتكفل بهم، مما يجعلهم يعودون للمؤسسات اللإصلاحية بنفس التهمة أو بتهمة أكثر خطورة.

هذا فيما يتعلق بالقوانين والتشريعات المغربية المتعلقة بحماية الأطفال، أما فيما يتعلق بموضوع العود لدى فئة الأحداث وأطفال الشوارع بعد قضائهم لعقوبات سجنية، فالملاحظ أنّ المشرّع المغربي لم يبذل جهدا ملموسا لضمان حسن استقبال هذه الفئة من قبل المجتمع بمختلف شرائحه، إذ نجده لا يزال متمسكا بالحفاظ على سجل السوابق وما يعرف بشهادة حسن السيرة، إذ تشكل هذه السجلات والشهادات عقوبة إضافية فوق العقوبة، بل إنّه من خلال تجربتنا المتواضعة مع المفرج عنهم من السجناء، نجد أنّهم يؤكدون على أنّ ما يطلقون عليه في المجتمع المغربي ب "الوسخ" يشكل عقوبة أشدّ وأكثر قساوة من العقوبة الحبسية، فإذا كانت الشريعة الإسلامية التي يستمد منها المشرع المغربي مرجعيته تعتبر من خضع للتعزير وللحدّ كمن لا ذنب له، رغم ما توصف به الشريعة الإسلامية من حزم وشدّة في هذا المجال، فكيف يصرّ المشرع المغربي على الإبقاء على عقوبة "الوسخ" كعقوبة إضافية فوق العقوبة ؟ إضافة إلى ما تشكله هذه الأخيرة من عائق رئيسي أمام المفرج عنهم للعودة للمجتمع بسلام.

لقد آن الأوان ليعرف الرأي العام المغربي والفاعلون الاجتماعيون والحقوقيون، أنّ ارتفاع نسبة حالات العود في صفوف السجناء لا علاقة لها بالمؤسسات السجنية، خاصة أنه لميعد هناك مجال للشك بأن المؤسسات السجنية بالمغرب استطاعت أن تطوّر نفسها بشكل بارز ومشهود له من قبل عدد من المؤسسات الدولية، إذ أصبحت تشكل نموذجا عربيا على مستوى الخدمات الصحية والمعيشية ومصالح إعادة الإدماج، إذ لا تخلو مؤسسة سجنية من مركز بيداغوجي للتكوين في مهن مختلفة، وسنويا يتخرج من تلك المراكز عدد لا يستهان به من الحرفيين المؤهلين، خاصة في السنوات الأخيرة مع تولي السيد " محمد صالح التامك" زمام الأمور بالمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، إذ استطاع بفضل توجهه وميوله الحقوقي المكتسب من تجاربه الحياتية، خاصة إذا علمنا أنه عاش بدوره فترة اعتقال مكنته من معرفة واقع تجربة السجن عن قرب، حيت عمد إلى استبدال سياسة التركيز على الجانب الأمني التي اعتمدها سالفه، بسياسة إدماجية ترتكز على الاهتمام بالمعطى الاجتماعي، ويظهر ذلك جليا من خلال الانفتاح الغير المسبوق في عهده على المجتمع، إذ استطاع أن يرفع حالة الغموض التي كانت تحيط بالسجون المغربية، أو يعطي للرأي العام الوطني بأنها لا تعدو سوى مرفقا عموميا مثل باقي المرافق.

إنّ حالة العود في صفوف السجناء عامة والأحداث على وجه الخصوص لا يمكن القضاء عليها أو الحد منها إلاّ إذا توافرت إرادة مجتمعية عامة، بدءا بالمشرع الذي يجب أن يعيد النظر في عدد من نصوصه القانونية، والتي لا يسعنا المجال للتطرق لها بالتفصيل، ويمكننا الإشارة مثلا إلى :

- إلغاء ما يعرف بشهادة حسن السيرة، وأن تبقى المعطيات الجنائية الخاصة بالمواطنين مقتصرة فقط على السلطات القضائية والأمنية قصد تتبع سيرة المحكوم عليهم.

- الإسراع بإخراج قانون العقوبات البديلة لأرض الوجود

- تطوير سياسة التعامل مع السجناء المفرج عنهم وإعادة النظر في طريقة اشتغال مؤسسة محمد السادس لإعادة الإدماج، هذه المؤسسة التي تقتصر خدماتها على اقتناء دراجات نارية وبعض المعدات المهنية للمفرج عنهم في أوقات ومناسبات محدودة من السنة وخاصة عند الزيارات الملكية، وتطوير آليات اشتغالها باستغلال الإمكانيات المادية المرصودة لها في خلق مقاولات جماعية في مختلف الحرف التي يتلقاها السجناء داخل المؤسسات السجنية، مع إلزام هذه المؤسسة بعدم العمل داخل السجون نظرا لكون المؤسسات السجنية لديها من المؤهلات ما يمكنها بالقيام بهذا الدور.

وفي النهاية نشير إلى أننا حين كتبنا كلمات أغنية "ولد الزنقة" لم نكن نقصد الإساءة لأية مؤسسة وطنية على حساب الأخرى، وإنما كان مبتغانا هو تحريك النقاش ولفت الأنظار إلى هذه الفئة من أبناءنا، إلى أطفال الشوارع الذين يعانون في صمت دون أن يتحمل برلماننا مسؤوليته الأخلاقية اتجاههم.

*كاتب وشاعر مدير سابق لمؤسسة سجنية ومؤطر بالمركز الوطني لتكوين الأطر بمندوبية السجون

المصدر : جريدة هسبريس