"تيران وصنافير" أصبحت قميص "عثمان"
"تيران وصنافير" أصبحت قميص "عثمان"

أكد الدكتور سعد الدين إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع السياسى ورئيس مركز الدراسات الإنمائية، إن مشكلة جزيرتى "تيران وصنافير" أخذت أبعادًا أخرى حيث تحولت إلى صراع من نوع خاص بين نظام الرئيس عبد الفتاح السيسى وبين معارضيه.

وأضاف "إبراهيم" فى مقاله بـ"المصرى اليوم": "المهم لموضوعنا أن مسألة جزيرتى تيران وصنافير قد أصبحت مثل قميص عثمان الذى نجح بنو أمية فى استخدامه ضد منافسيهم على السلطة من أنصار على بن أبى طالب، والمتشيعين له، قبل أربعة عشر قرنًا".

وإلى نص المقال:

انطوى حُكم المحكمة الإدارية فى 21 يونيو 2016، ببُطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، الذى ينطوى بدوره على بُطلان تسليم جزيرتى تيران وصنافير إلى السعودية، على مأزق للحكومة المصرية، التى كانت قد وقّعت اتفاقية بهذا الشأن. وضاعف من المأزق تصريح مجلس النواب الموافقة على الاتفاقية، رغم تأكيد المحكمة الإدارية العُليا لنفس الحُكم بتاريخ 16 يناير 2017.

وهكذا أصبحنا فى مأزق مُضاعف لنزاع بين السُلطات الثلاث: التنفيذية، التى وقّعت الاتفاقية، والقضائية التى حكمت ببُطلان الاتفاقية، ثم التشريعية (مجلس النواب) الذى أصدر قانوناً بالموافقة على الاتفاقية فى 14/6/2017.

وما كان لكل تلك المآزق أن تحدث لو أن نظام الرئيس السيسى كان قد عرض الأمر برُمّته منذ البداية على الرأى العام المصرى للحوار قبل اتخاذ القرار بالتوقيع على تلك الاتفاقية الحدودية. طبعاً، ما زال هناك المحكمة الدستورية العُليا، التى يمكن أن تُخرج الحكومة ونظام السيسى من المآزق التى أوقعوا أنفسهم فيها. ولكن تأييد أو رفض المحكمة الدستورية العُليا لن يوقف العِراك السياسى المحموم حول قضية تيران وصنافير.

فمن الواضح أن القضية قد تجاوزت موضوع «الأرض» إلى اعتبارات أخرى، منها تسوية حسابات أخرى مع نظام عبدالفتاح السيسى، من كل مُعارضيه، وفى مُقدمتهم الإخوان المسلمين والمُتعاطفون معهم من السلفيين، ممن عُرف عنهم تاريخياً، أنهم لا يهتمون بأرض أو بوطن. فأرضهم ووطنهم هى عقيدتهم وشريعتهم، بينما مفهوم «الوطن» كأرض وحدود، فهو عندهم بمثابة «وثن». ولكن بانتهازيتهم السياسية المعروفة وجدوا فى مسألة تيران وصنافير فُرصة لركوب المُعارضة لمن يعتبرونه الآن بعدوهم الأول، أو الشيطان الأكبر، وهو عبدالفتاح السيسى. بل وربما يتذكر المهتمون أن هؤلاء الإخوان أنفسهم هم الذين كانوا مُستعدين للتنازل عن شبه جزيرة سيناء كلها لفرعهم الفلسطينى، وهو حركة حماس فى غزة، لإنشاء دولة فلسطينية فيها، بمُباركة إسرائيلية، لإنهاء الصراع العربى ـ الإسرائيلى، وفى قلبه القضية الفلسطينية والثلاثة ملايين لاجئ، الذين لا يزالون مُشرّدين بلا وطن!

المُهم لموضوعنا أن مسألة جزيرتى تيران وصنافير قد أصبحت مثل قميص عُثمان الذى نجح بنو أميّة فى استخدامه ضد مُنافسيهم على السُلطة من أنصار على بن أبى طالب، والمُتشيّعين له، قبل أربعة عشر قرناً.

كما دخل الناصريون على نفس خط المُعارضة للسيسى فى مسألة تيران وصنافير. لا فقط لذكرى مواقف الرئيس عبدالناصر فى مواجهاته مع إسرائيل فى عامى 1956و1967، ولكن أيضاً لإحياء العداوة التاريخية بين جمال عبدالناصر والأسرة السعودية الحاكمة فى الجزيرة العربية.

ودون مزيد من الاستغراق فى الجُغرافيا والتاريخ والقانون الدولى، بشأن جزيرتى تيران وصنافير، نقترح لكل من يهمه الأمر التفكير إيجابياً فى تحويل ما يبدو أنه «مشكلة » إلى فُرصة لمزيد من التقارب والتعاون بين الشعبين المصرى والسعودى، بل وكخدمة لقضية منسية، ولكنها راسخة فى أعماق الوجدان لشعوب الأمة العربية جمعاء، وهى قضية الوحدة العربية.

فكثير من المُراقبين تحدّثوا عن مشروعى جسر يربط بين عرب أفريقيا من مصر، وعرب آسيا من السعودية، وهو الرباط الذى كان موجوداً طيلة ما يقرب من عشرة قرون، إلى أن قطع تأسيس إسرائيل، عام 1941 تلك العروة الوثقى بين عرب المشرق وعرب المغرب، فالسعودية لها حدود مُشتركة مع كل بُلدان الخليج، وكذلك مع العِراق وسوريا. ومن خلال الجسر الموعود، ستواصل معهم برياً، من خلال مصر، عرب المغرب الكبير ـ فى ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وعرب الجنوب ـ فى السودان والصومال والقرن الأفريقى.

بل وربما تدخل إسرائيل والدولة الفلسطينية المُرتقبة فى مثل هذا المشروع الوحدوى الطموح، ونكون بهذا على أعتاب منطقة جُغرافية ـ اقتصادية واعدة، لا تقل فى إمكانياتها ومزاياها عن المنطقة التى تطوّرت فى شمال البحر المتوسط، من اتحاد الفحم والحديد (1947)، بين ألمانيا وفرنسا، إلى السوق الأوروبية المُشتركة (1957)، إلى الاتحاد الأوروبى (1977)، الذى هو اليوم (2017) أكبر وأقوى تكتل اقتصادى ـ سياسى فى العالم.

إن ما نقترحه أعلاه هو دعوة للمُعارضين وللمؤيدين لاتفاقية ترسيم الحدود وتيران وصنافير، لكى يتجاوزوا الجُزئيات إلى ما هو أبعد وأعمق من الكُليات الجامعة لأبناء وشعوب الأمة العربية والوطن العربى الأكبر.

وعيد فطر مُبارك لكل القُرّاء

المصدر : المصريون