أوقفوا التحرش بالشعب
أوقفوا التحرش بالشعب

في سابقة هي الأولى من نوعها عرض التلفزيون الرسمي الجزائري عشية الذكرى 12 لإقرار ميثاق السلم والمصالحة 29 سبتمبر (أيلول)، صورًا ومشاهد صادمة تعود لزمن العشرية السوداء، وهي تسمية تبدأ على سنوات الأزمة الأمنية التي عاشتها البلاد خلال فترة التسعينيات، ويقول متابعون أن مثل هذه المشاهد لم تعرض على التلفزيون الرسمي حتى في عز الأزمة، لكنها تعرض اليوم تحت عنوان «حتى لا ننسى»، تطور يراه البعض ملفتًا للنظر خصوصًا في هذا التوقيت الذي يعرف تجاذبات وصراعات معلنة وأخرى خفية داخل أروقة وأقبية الجماعة الحاكمة.

ويبدو أن الأطراف المتصارعة تعمد إلى تحييد الشعب باعتباره العدو المشترك لها بشن حرب نفسية استباقية معتمدين على الدعاية عبر وسائل الإعلام المملوك أغلبها «للدولة»، وفضلت الجماعة الحاكمة هذه المرة تمرير مسجات التخويف والتخوين للشعب ليس عبر خطابات سياسية هزيلة يؤديها أشخاص هم أقرب إلى المهرجين منهم إلى السياسيين، بل اعتمدت هذه المرة على عروض بصرية على الطريقة الداعشية أخذت من أرشيف حقبة ما زالت مشاهد وصور القتل والدمار محفورةً في ذاكرة من عاصرها.

أما الجيل الجديد الذي لم يعاصرها فقد سمع عنها الكثير من القصص والروايات نُسجت لتكون له فزاعة ترد عنه وساوس نفسه الأمارة بالسوء إن هو فكر في حقوقه المهضومة وحريته المستلبة، كما وُجهت للشعب مسجات حملتها الصور مفادها إنا خيرناكم فاختاروا بين حكم الفساد والاستبداد وبين الإرهاب والخراب.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن جهات مجهولة راحت تروج عبر مواقع السوشيال ميديا خلال الساعات القليلة التي أعقبت بث تلك الصور دعوات للتظاهر السلمي وأخرى للعصيان المدني، تزامنًا مع الذكرى التاسعة والعشرين لأحداث الخامس من أكتوبر 1988، ويُرجح أن الجهة التي تقف وراء تلك الدعوات أمنية هدفها جس نبض الشارع لمعرفة مدى قابلية الشعب للانسياق وراء هكذا دعوات واتخاذ إجراءات ردعية استباقية لا يعرف طبيعتها ولا آلية تنفيذها.

وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر خلال سنة 2011 عرفت أحداث عنف وتظاهر طالت العديد من مناطق الوطن وسُميت حينها انتفاضة «الزيت والسكر» ذات الخلفيات الغامضة، وقد أتبعتها الحكومة بحزمة إصلاحات مستخدمةً أسلوب شراء السلم الاجتماعي نظرًا لما كانت تملكه حينها من مدخرات فاقت 200 مليار دولار، لكن هذا الوضع لم تستمر طويلًا، فمع تراجع أسعار النفط في السوق العالمية وما صحبه من انخفاض المداخيل وتآكل المدخرات من العملة الصعبة، زد عليه الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد وما فرضته من إجراءات تقشفية لم يعد معها بمقدور الحكومة شراء مزيد من السلم الاجتماعي، وصار اللجوء إلى الخيار الأمني ضرورة حتمية لتحافظ الجماعة الحاكمة على مصالحها وتكسبها المزيد من الوقت حتى رئاسيات 2019 على الأقل.

وفي آخر خرجة إعلامية أكد الوزير الأول أن هذا الفيلم طبيعي ويذكر بحقبة خلت لابد من استذكارها قصد أخذ «العبر والدروس» لما (هو قادم؟) كما أشاد بمؤسسة الإذاعة والتلفزيون الجزائري وأثنى على مُعدي هذا الفيلم الذي وصفه إعلاميون جزائريون بالكارثي سواء من ناحية التعبير الركيك والصياغة الهزيلة التي صيغ بها نصه أو من ناحية حياده عن الضوابط التقنية والفنية والمهنية المعتمدة في إنتاج الأفلام الوثائقية، بالإضافة إلى انتهاكه الصريح لقانون المصالحة الوطنية، لكن المتحدث لم يدرك البداهة عند المتلقي الذي أوّل كلامه معتبرًا إياه تهديدًا ضمنيًا للشعب، وتحرشًا واضحًا جف أمامه حبر كاتب مسجات الرئيس، الذي لم يتوان ولم يقصر حين تعلق الأمر برجال الأعمال بالأمس القريب حين كان عبد المجيد تبون وزيرًا أولاً قبل الإطاحة به، فكتب يندد ويستنكر «أوقفوا التحرش برجال الأعمال» نراه هذه المرة عاجزًا عن التنديد والاستنكار حين تعلق الأمر بالشعب.

ويأتي هذا التطور الخطير عقب مصادقة البرلمان على مخطط عمل حكومة الوزير الأول السيد أحمد أويحيى الذي حمل برنامجه العديد من علامات الاستفهام، خصوصًا وأنه جاء بحلولٍ أجمع الخبراء على أنها ستزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتجعل قانون المالية لسنة 2018 عقابًا جماعيًا للشعب بأكمله جزاءً على أخطاء الجماعة الحاكمة، الأمر الذي سيساهم في اشتعال وغليان الجبهة الاجتماعية والذي من شأنه أيضًا أن يدخل الجزائر في دوامة عنف وعنف مضاد قد تأتي على الأخضر واليابس في البلاد، فبدل أن تتجه الجماعة الحاكمة إلى ترشيد سياساتها وعقلنة نفقاتها، وهو توجه لا يعرفون له سبيلًا ولو حرصوا، لأن صانع الأزمات والمتسبب في حدوثها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون طرفًا في حلها، ها هي الجماعة الحاكمة تتجه لنصر سياساتها بالرعب ونشر الذعر بدل نصرها بالحوار ودعمها بالدراسات العلمية.

لِيعرف أهل «الحل والعقد» أن أقصى ما يمكنهم فعله من خير بعد سنوات العلو والتجبر هو التنحي والرحيل عن السلطة وفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية المغمورة فهي القادرة على قيادة البلاد إلى بر الأمان، بعيدًا عن المقاربات الأمنية والحلول المستوردة التي أثبتت فشلها على مر السنين، هذا إن كان فيهم رجل رشيد وإلا فالقادم سيأتي عليكم وعلى «أعدائكم». فأوقفوا التحرش بالشعب، لأنه إن أراد الحياة فلا بد أن يستجيب له القدر.

المصدر : ساسة بوست