«قواعد العشق 40».. الرومي وفي قلبه شمس تنير
«قواعد العشق 40».. الرومي وفي قلبه شمس تنير

«جاء شمس التبريزي من أقصى الأرض يسعى حتى وصل لقلب جلال الدين الرومي، فبدأت الحكاية وتحققت الرؤيا، وتحول العالِم الجليل لمريد»، نبدأ من هنا.

قبل أيام، كان هناك افتتاحان في يوم واحد، والاثنان استغرق إعدادهما للخروج للنور حولين كاملين، حتى عاد مسرح السلام للعمل بعد التجديد، وعرض «قواعد العشق 40» مجسّدًا لأول مرة في شخصيات تسمعها وتبصرها.

رواية «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية إليف شافاق، والمأخوذ عنها العرض، حققت رواجًا عالميًا كبيرًا، وفي الدولة المصرية كان لها وقع الشهد في نفوس قرائها، وكنت واحدًا منهم، فهي من ذلك النوع الذي يترك انطباعًا بالسعادة على قارئه، وهذا تحدٍ صعب أمام أي شخص يقترب منها أو يحاول حتى أن يجسدها، فأبطالها هم النور، تجسيدهم بالخيال يصعّب من مهمة تحولهم لحقيقة، ولكن هذا ما حدث، فقد قام المخرج المصري الشاب عادل حسان بإخراج العرض.

العرض يحكي قصة التقاء شمس الدين التريزي وقد كان من هؤلاء الذين لا يشغلون بالًا بالدنيا، بجلال الدين الرومي وقد كان عالمًا فقيهًا، وخلال العرض يتقابل الجمعان، ويمتزجان، في غرفة الرومي ولمدة أربعين يومًا، يسقي خلالها التبريزي الحب للرومي عبر العديد من المواقف، التي قد لا يقبلها عاقل، ولكن لثقة الرومي فيه، قبلها ونفذها.

أما عن باطن العمل، فقد صرحت أن أبدأ من النهاية، لأن فيها ألق البداية، فنظرات وجوه الفنانين الذين قاموا بتجسيد العمل يبدا عليها التركيز الشديد والإرهاق، والانغماس بشكل كبير في روح النص، وهو ما يمنحك شعورًا بالسعادة في حد ذاته لإخلاص هؤلاء، وهو ما يستحق التحية والإشادة في حد ذاته.

وفي هذا أكد المخرج إن العرض استمر تحضيره طوال عامين، وكُتبت ثلاثة نصوص معالجة منه وإلقائها في القمامة حتى رسا المركب على بر النص الرابع، وقد كان.

العرض يبدأ، الستار يفتح، أمامك ديكور ثابت طوال العرض، عبارة عن غرف في طابقين، كل غرفة لها غرض، والإضاءة كانت تقوم بدور الكاميرا في التبديل بين مناطق تصوير المشاهدة

سينوغرافيا العرض جاءت متماشية مع النص والحالة، فقد استُخدم الديكور المستوحى من المعمار الإسلامي، وأيضًا جاءت ملابس الممثلين، والمصابيح المستخدمة معبرة عن تلك الحقبة من الزمن، وهو ما ينقل المشاهد إلى الزمن الذي تتم فيه الحكاية، بغض النظر عن استخدام مصابيح «صيني» والتي كان يمكن الاستعاضة عنها ببعض الديكورات المصنعة يدويًا إن أمكن.

العرض تتخلله العديد من المشاهد الغنائية، وهي قصائد وأغنيات من التراث العربي والصوفي لابن الفارض محي الدين بن عربي، والإمام سعيد بن أحمد بن سعيد، وجلال الدين الرومي، أداها الفنان سمير عزمي والفنانة أميرة أبو زيد على أتم ما يكون، مستعينين بفرقة المولوية المصرية لتجسد عبر رقصاتها الصوفية الكلمات.

في بداية العرض وحتى بعد مرور نصف ساعة سيجد المشاهد صعوبة في الدخول في حالة المسرحية، وربما يعود السبب في ذلك للتدريبات الشاقة والضغوطات النفسية الكبيرة على الممثلين قبل وأثناء العرض؛ كونه عرض هام في وقت هام، وبحضور وزير الثقافة، وقيادات الوسط الثقافي، فحتى قبل العرض كنت ستلحظ تلك الحالة من الشد التي تنتاب المكان، وهو ما كان له تأثير على العرض.

ولكن بعد مرور فترة من الزمن سيبدأ الممثلون في الاندماج في العمل، والتوقف عن الحركات الميكانيكة المرسومة بحرفية مخرج له قدر عال من الخبرة، فحتى الجمهور بتصفيقه كان حكمًا، فأعلى السوكسيهات كانت للغناء أكثر منها للتمثيل، ولكن في النهاية حاز نجوم العرض على تحية طويلة بعد إتمام عملهم بنجاح.

بطلا العرض الرئيسيان هما: الفنان بهاء ثروت في دور شمس التبريزي، والفنان عزت زين في دور جلال الدين الرومي، وقد تمكن الأخير من منح الهدوء على المسرح من خلال أدائه الواثق وصوته الرخيم، بينما يبدا الأول غير مرتاحٍ في البداية حتى انفكت العقدة وأدى دوره بنجاح كبير.

باقي الممثلين أدوا أدوراهم بشكل جيد، وهم الفنانة فوزية في دور «كيرا» ابنة الرومي، وأميرة أبو زيد، في دور كيميا، ابنة متبناة وكانت تقوم بالتمثيل والغناء، والفنانة دينا أحمد في دور «ورد الصحراء» الفتاة التي كانت تعمل عاهرة ثم توقفت بعد أن قابلت التبريزي، والفنان إيهاب بكير في دور الشرطي، وهاني عبد الحي في دور علاء نجل الرومي، والفنان محمد عبدالرشيد في دور يبدو كأنه مستشار  للرومي، وياسر أبو العينين في دور نجل الرومي الآخر، وهشام علي يؤدي دور شيخ متشدد، وهدى عبدالعزيز في دور صاحبة منزل البغي أو بيت الدعارة.

حركة الممثلين على المسرح كانت جيدة بالطبع، الصورة واضحة من كل الزوايا، وهو كما قلنا يعود لمخرج قدير يعرف جيدًا كيف يحرك لاعبيه على المسرح بشكل صحيح.

خلال العرض ترصد التحولات النفسية التي طالت هؤلاء فور وصول التبريزي إلى قلب الرومي، وكيف أن منهم من يغار على الرومي منه، ومنهم من أحب التبريزي، حتى أن كيرا تزوجته ولكن لم يمسسها.

يؤخذ هنا على الكتّاب، وهي ورشة أشرفت عليها رشا عبدالمنعم، وشارك فيها ياسمين إمام شغف وخيري الفخراني، أنهم أظهروا الشيخ السلفي بأسلوب الأفاق، وليس المتشدد، فكأنما هو محتال باسم الدين، وهي صورة غير صحيحة، ففي أحد المشاهد حينما كان الجميع يؤدي رقصة «سما» الصوفية، حضر الحاكم ولما رآهم كذلك ألقى للتبريزي سرة من الدنانير، فأعادها له بحجة أنهم لا يرقصون من أجل المال، فمد الشيخ يده ووضع الأموال في سترته، كما أن طريقة أدائه وتمثيله لم ترنا التشدد بقدر الاحتيال، وهنا لا يمكن أن نقول أن كل ما هو رافض للفكر الصوفي هو نصاب!

وأيضًا، العرض أظهر علاء نجل جلال الدين الرومي، بشكل يذكرنا بالكفار في الأفلام التي تتحدث عن الجاهلية في السينما المصرية، كان ينقصه فقط الحواجب الكثيفة، ولكن غيرة الولد على وضع أبيه وكراهيته للتبريزي لهذا السبب، هي نابعة من حبه لأبيه، وبالتالي لا يمكن أن يظهر بهذا السلوك السيء، خصوصًا وأنه تربي على الفقه وفي بيت الرومي!

حاول المخرج خلال العرض دمج بعض الألفاظ العامية على استحياء، في فقرات لا تتعدي جمل بسيطة لإضفاء الطابع الكوميدي على النص، وكان أبطالها أصحاب الأدوار الثانوية، وصاحبة بيت الدعارة، ولكن إجمالًا، اللغة كانت جيدة وسهلة، وتفهم ببساطة دون تكلف أو فلسفة.

في الأخير العرض بذل فيه جهد كبير، وخبرة كبيرة، ولكن غاب عنه الطابع الإبداعي الذي يتوافق مع عرض صوفي يحمل كل هذا القدر من العشق والخيال، وحاول المخرج الاستعانة بالأغنيات الصوفية بشكل مكثف في محاولة لإيصال الحالة، ولكن الكراهية التي اعتلت المسرح من رافضي التبريزي، وحالة الشد الموجودة صعّبت الأمر.

المصدر : ساسة بوست