لن أخذلكم أبدا
لن أخذلكم أبدا

 

أربع دقائق مضت بعد الثالثة من عصر الجمعة 17 نوفمبر 1989 ..تصل الكرة إلى هشام عبدالرسول فيسدد كرة يحتار معها المنطق فبدلا من أن تأخذ طريقها إلى المرمى تصل بقدرة قادر إلى الجناح الأيسر فتجد أحمد الكأس في انتظارها ليرفعها داخل الست ياردات الجزائرية لينقض عليها حسام حسن برأسه فتهتز الشباك ومدرجات الاستاد وقلوب الملايين في وقت واحد...

وقبل الخامسة بربع الساعة تبدأ حفلة إشعال الجرائد "عصر ما قبل الشماريخ " فرحة بقرب التأهل للمونديال إلى أن يطلق علي بن ناصر صافرة النهاية فتنفجر الفرحة في عموم المحروسة ..فرحة لم يعرف طعمها من كان عمرهم وقتها أقل من 56 سنة...

ثم تمضي ثلاثة عقود منذ رجوع المنتخب من إيطاليا 90 تخللها ست نهائيات لكأس العالم...لم يدر بخلد أي منا منذ 28 سنة أننا سننتظر كل هذا الوقت لنرى منتخبنا الوطني في المونديال مرة أخرى ...وأصبحت التصفيات عبارة عن كابوس ترتطم به أحلامنا في كل مرة بل وربما كانت هناك أجيال من اللاعبين تفوق الحاضرين الآن فرديا وجماعيا لكن الحسرة كانت هي العنوان دائما وبأسباب مختلفة ...

ومن منا ينسى إهدار مجدي طلبة وفرصة عمارة وبركات أمام الجزائر وتصدرنا للمجموعة بالعلامة الكاملة في 2013 ثم السقوط المروع أمام غانا حتى وصلنا ل2017 لنرى هذه الدراما الكروية التي دارت على أرضية ستاد برج العرب وهي التي شهدت في 90 دقيقة مختلف المشاعر الإنسانية من تفاؤل وأمل إلى حماس وإصرار إلى سخط ونقمة ثم حزن وألم ثم الإنتقال بسرعة خيالية إلى سعادة وفرحة إلى أن وصلنا إلى ذروة النهاية وكانت إحساس بالفخر...

لو أسندنا إخراج سيناريو المباراة إلى أحد مخرجي الروائع المصريين لما استطاع أن يخرجه بهذا القدر من التشويق والإثارة ...

فمن يصدق أن المدرب الأرجنتيني كوبر الذي نال سخط الغالبية هو الذي سيكتب التاريخ انه صعد بالفراعنة للمرة الثالثة في تاريخهم ومن يتخيل أن الكونغو متذيل المجموعة يترك ستة وثمانين دقيقة تمر ثم يختار هذا الوقت الحرج ليتعادل فيه لتنهار الأحلام المصرية وتنهمر الدموع من العيون....

وفي أثناء هذا مر شريط الذكريات السيئة في ذهني سريعا وتذكرت نحس المدرب الأرجنتيني الذي فشل في ست نهائيات سابقة مع فرق مختلفة .لكن أكثر ما أثار شفقتي هم هؤلاء الذين تكبدوا مشقة الذهاب إلى برج العرب أملا في فرحة كبيرة غائبة منذ سنوات يهون معها كل صعب..

ووسط دعاء الملايين بكلمة يارب نابعة من القلب تمر ست دقائق كانت القلوب فيها قد بلغت الحناجر ثم يحتسب الحكم الرائع ضربة جزاء قبل نهاية الوقت بدل الضائع دقيقتين لتنتفض مصر بأكملها واقفة على أطراف اصابعها بمعنى الكلمة لنرى هذا الشاب المتواضع سمح الوجه محمد صلاح حاملا بيديه الكرة إلى نقطة الجزاء وحاملا على كاهله آمال وأحلام الملايين ثم يرمق مدرجات الاستاد بنظرة سريعة لم يلحظها الكثيرون ولسان حاله يقول لن أخذلكم أبدا ثم يسدد الكرة بقوة في الشباك فترتج مصر من الفرحة ويتهدج صوت مدحت شلبي بالبكاء ومعه  الملايين بدموع الفرح التي غابت سنين.

المصدر : يالا كورة