ترامب ورئاسة الجمهورية وصنع السياسات
ترامب ورئاسة الجمهورية وصنع السياسات

هناك أربع فئات من الناس في واشنطن. هناك أشخاص يدرسون أوراق السياسات، وآخرون يكتبونها، وآخرون يقدمونها، وآخرون يلقون بها بعيدًا. وتقع السلطة السياسية في يد المجموعة الأخيرة. أما بالنسبة لأولئك الذين يتسلقون هرم صناعة إنتاج السياسة؛ أي مؤسسات الفكر والرأي والجامعات والدوائر الحكومية، فإن كتابة أوراق السياسة هي محاولة جادة لخلق توجيه عميق وشامل للقادة. وتكمن القضية في العلاقة بين السياسات والرئاسة. وهما شيئان متطابقان ظاهريًا. ويرى البعض أنهما يتصلان في الغالب ببعضهما البعض بشكل غير مباشر.

تتمثل إحدى التهم الموجهة للرئيس المنتخب دونالد ترامب بأنه متناقض أو غير مشغول بتعقيدات صنع السياسات. ربما يكون هذا صحيحًا. ومع ذلك، فهذا يتيح لي فرصة النظر في العلاقة بين صنع السياسات والرئاسة الأمريكية، وبالتالي، النظم السياسية الأخرى. ويزعم محللون أمريكيون عدم صحة الفكرة القائلة بأن تحسين السياسة يقع في صميم الرئاسة. فالرئيس ليس المسؤول الإداري الرئيسي للولايات المتحدة. إنه قائد ومدير العملية السياسية. ووظيفته أن يكون رمزًا يرسم المجتمع الديمقراطي حوله خطوط المعركة التي تحدد طابع البلاد. ولابد له من التعبير عن رؤيته كشيء جمالي دون ابتذال. ولا يمكن للرئيس أن يدخر وسعًا من وظيفته الحقيقية لوضع السياسات. يعرف الرؤساء الناجحون تلك الحقيقة ويخفونها. لكن ترامب لا يحاول إخفاء ذلك.

يتسلم القادة الحكومات في حالة فوضى. وعملية تقلُّد الرئاسة هي تجربة الضغوط العشوائية والتحولات من عدد لا نهائي تقريبا من الاتجاهات. ولكي يتسم القادة بالفعالية، لا يمكنهم اتخاذ مواقف ثابتة وشاملة تجاه القضايا اللانهائية التي يجب عليهم التعامل معها. ولا يمتلك أي رئيس للولايات المتحدة القدرة على استيعاب مجموعة واسعة من قضايا السياسة التي تواجهه، ولا يستطيع فهم أعماق أي قضية واحدة. حاول بعض الرؤساء ذلك. لكنهم لم يتصرفوا جيدًا بصفة عامة، وذلك بحسب ما أفاد جورج فريدمان في تحليل له.

يمتلك الرؤساء الذين ينجحون خصائص معينة. فهم قادرون على القيادة. يمنحون الجمهور الشعور بأنهم يفهمون المطلوب منهم وكيفية القيام بذلك، ويهتمون اهتمامًا عميقًا بأولئك الذين يأملون حل مشكلاتهم. ونادرا ما يصلون للرئاسة بهذه القدرات، وإنما يحصلون عليها بتحقيق التوازن بين الأشياء التي لا يمكن الموازنة بينها. وتُرى قدرتهم على القيادة كأفضل ما يكون بعد تركهم لمناصبهم في كثير من الحالات.

السخرية من روزفلت

واجه فرانكلين روزفلت السخرية قبل توليه منصبه بأنه سطحي التفكير وأن السبب الوحيد لرغبته في الرئاسة يكمن في أنه يريد أن يصبح رئيسًا. ويبدو أن عددًا قليلًا من المبادرات التي حصل من خلالها على الإشادة تمثلت في أشياء فكّر فيها قبل توليه منصبه. فَهِمَ روزفلت أن السياسات قد تعمل أو لا تعمل، لكنه أعطى الجمهور الشعور بأنه الشخص اللائق في موضع المسؤولية. وتعرض روزفلت لهجمة شرسة من قِبَل أعدائه الكثيرين خلال معظم ولايتيه الأوليين. وقام بوضع سياسات من مصدرين.

المصدر الأول هو الواقع الذي واجهه؛ بمعنى أكثر تحديدًا رغبته في إعادة انتخابه وتحركاته التكتيكية لبناء شعبيته. والثاني هو مجموعة من المستشارين الذين جمعوا مجموعة من الأفكار غير المنتظمة نوعًا ما ووضعوها جنبًا إلى جنب لمعرفة أي منها يمكن أن ينجح، وتلك التي لم تنجح كثيرًا. يمكن أن يُأكد الشيء نفسه عن آخرين منهم هاري ترومان ودوايت أيزنهاور ورونالد ريغان. فلم يحظوا بالإعجاب العام عند انتخابهم، وكانوا يعيشون في بيت صاخب فوضوي، وكان هدفهم هو البقاء. قاموا كلهم بوضع السياسات، ولكن على النحو الذي لا تحبه صناعة السياسات.

كانت تدور في خُلد كل منهم فكرة عامة عن الاتجاه الذي أرادوا السير فيه. أراد ترومان الاستمرار في «الصفقة الجديدة». وأراد أيزنهاور استقرار السياسة الخارجية الأمريكية وتجنب الحرب النووية. وأراد ريغان إنهاء الركود التضخمي وإعادة بناء القوة الأمريكية بعد فيتنام. كانت هذه هي النوايا. لم تتمكن صناعة السياسات، وهي النَّسْج المعقد لأي خطة، من النجاة من واقع الحياة السياسية. أولًا، ركزت السياسات على موضوع واحد كما لو كانت الرئاسة قد تكوّنت من بيوت حمام أنيقة. ثانيًا، قد يمتلك كاتب سياسة فكرة جيدة، ولكنه لا يفهم أو يدرك وجود قوى مؤثرة خارج مجال الرئيس من شأنها أن تمزق النسيج السياسي إذا نجحت هذه الفكرة.

أوراق السياسات الأمريكية

تعتبر الصناعة الأولية لواشنطن هي إنتاج أوراق السياسات. إنها مركز جمهورية ديمقراطية، ويجب أن يهتم صناع قراراتها بالناخبين الذين ينتخبون الرئيس أكثر من مستشاريه الأخيار الذين يسدون النصح له. قد تكون الأفكار رائعة من الناحية الفنية، ولكن تكمن القضية في ما إذا كانت لديها القدرة على النجاة من فوضى الديمقراطية. وتُعتبر قضية ما إذا كان الرئيس الذي سيركز على السياسات سيدوم بمثابة مسألة أخرى. قد تكون أفضل سياسة من وجهة النظر التكنوقراطية غير ذي صلة بالحقائق السياسية التي تربط المجتمع الأمريكي معًا. يتم وضع السياسات على عجالة، وسط شد وجذب المصالح الخاصة، نظرًا لأن كل الأمريكيين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة.

اختار ترامب عدم التقيد بموقف خاص. وتولى منصبه بدرجة من الاشمئزاز أعلى من روزفلت أو ريغان، ولكن هذا لا يعني أنه لن ينتهي بالتبجيل أو اللعنات، لهذه المسألة. لقد وضع نفسه موضع الزعيم السياسي بوضوح ونجح بشكل جيد للغاية مع نصف السكان. لقد عرف أيضًا نفسه بوضوح. وينتوي إعادة تشكيل السياسة الخارجية لجعلها أكثر فائدة للولايات المتحدة.

والذي لم يفعله ترامب هو الانغماس في تفاصيل السياسة، ويواجه اللوم بفعل ذلك. لكنه يصرح علنًا في واقع الأمر بما يعرفه جميع الرؤساء. فأساس هذا العمل هو قيادة الخطوط العريضة للسياسات وإعلانها. بعد ذلك، يجب عليه اختيار من يثق فيهم ويعرفون أفضل منه كيفية تنفيذ ما ينتوي عمله دون تمزيق الرئاسة إلى أشلاء.

اتُّهم ريغان بالانفصال والابتعاد. وأُشيد بجيمي كارتر لمشاركته المتعمقة في تفاصيل الحكم. وهُزم كارتر بعد فترة ولايته الأولى. وفاز ريغان بولايتيْن وأصبح شخصية بارزة. يدافع البعض عن رونالد ريغان زاعمين أنه كان أكثر انخراطًا في صنع السياسات مما بدا عليه. قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن ريغان كان يعرف شيئا يختفي عن كارتر؛ وهو أن صنع السياسات ليس بالمهمة الرئيسية للرئيس، إلا وقت الأزمات. ينبغي أن يكون الرؤساء قادة يخلقون صورة مغرية لما ينبغي أن تكون عليه البلاد وجذب مشاعر حب البلد وكراهيتها نحوهم؛ من خلال السماح بجعل أنفسهم ساحة حرب تدفع البلاد إلى الأمام. خلق كارتر سياسة نشطة. لكنه لم يستطع قيادة هذا الدور كرمز أو إغوائه أو قبوله. وفاتته خاصية الرئاسة.

عندما أكد جون كينيدي إننا «سنقاوم أي عدو لضمان بقاء ونجاح الحرية»، لم يقدم أي معنى لما كان يتحدث عنه، وكان هذا بالشيء الرائع نظرًا لأن رؤيته عن ذلك كانت مرعبة. وما أراده هو عدم الإعلان عن سياسة، وإنما تزويد الجمهور برؤية عن القوة الأمريكية والشجاعة المعنوية. كان كينيدي يعرف أن القوة والشجاعة لهما حدود، ورأى أن هذا هو المفتاح لمستقبل أمريكا. لم يكن يصنع السياسات. فسيأتي ذلك لاحقًا، وستكون العملية على غرار القُبح الذي توصف به عملية صنع النقانق. فكان يقصد تقديم رؤيته كعمل فني.

لم يكن القصد من وراء شعار ترامب، «جَعْل أمريكا عظمى مرة أخرى»، أي صنع السياسات. ولا يمكن أن يكون كذلك لأنه لا يتضمن أي معنى لوضع سياسات، كما كان الحال مع الوعد الذي قطعه كينيدي. فالغرض منه هو الإلهام وإحياء الأمل وتصوير ترامب كزعيم قوي. كما أنه يشكّل دعوة لأعدائه لإبعاده عن أي مواقف فارغة. ركز ترامب إعجاب البلاد وكرهها على ذاته. وفي هذا توضيح وشخصنة. فالأمر كله يتعلق بترامب، كما كان الحال على كل الرؤساء السابقين. ويركز الشعار الانقسامات الموجودة فعليا في البلاد ويحددها.

بساطة ترامب في السياسة الخارجية

يتسم المخطط العام لترامب في السياسة الخارجية بالبساطة. فيزعم أن الهياكل والأيديولوجيات الدولية التي وُضعت منذ الحرب العالمية الثانية لم تعد تخدم المصالح الوطنية. فالتجارة الحرة ليست خيرًا مطلقًا وتتوقف فوائدها على الظروف. ويرى محللون أمريكيون أنه يجب دراسة التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها على أساس كل من المصالح الأمريكية وما إذا كان هؤلاء الحلفاء يتصرفون كحلفاء. يجب قياس كل هذا إزاء المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية.

هذه هي الرؤية الواسعة التي تنبع من شعار «جعل أمريكا عظمى مرة أخرى». والبقية ليست مجموعة من مبادرات السياسات الواضحة لتنفيذ ذلك، وإنما فوضى سياسية. طرح ترامب تعديل ًا جذريًا في السياسة الخارجية الأمريكية، وسيحتاج إلى بناء تحالفات في الكونغرس والشركات والعمالة وهلم جرا. وسيحتاج إلى التعامل مع القوى الأجنبية وسيواجه الواقع بأن بلاده بحاجة الى بعض تلك القوى أكثر مما تحتاج إلينا. وسيضطر ترامب للتعامل مع بلد تشعر بأنه فشل في الوفاء بوعوده، حيث لا يستطيع أي رئيس أن يفي بوعود على هذا النحو من الوفرة.

ولن تشكّل السياسات التي ستظهر في نهاية المطاف منتجًا للهندسة الرئاسية، وإنما بالأحرى ما تبقى بعد تمزيق الفصائل في الولايات المتحدة والقوى الأجنبية لها ثم إعادة بنائها. تأتي الرؤى من الرؤساء. وتأتي الأوراق من مؤسسات الفكر والرأي. وينبع الواقع من العملية السياسية. لم يتصور مؤسسو الولايات المتحدة تأسيس حكومة تكنوقراط.

وكما لم يتمكن كينيدي من الوفاء بوعده بحماية الحرية في كل مكان أو تجنب المشاكل التي أراد تجنبها، لن يتوجب على ترامب مواجهة حدود سلطته الخاصة كرئيس للبلاد فحسب، وإنما ما يجب أن يحدث وما لا يجب أن يحدث، رغمًا عن إرادته، أيضا.

ترامب في صورة المسيح أم الشيطان؟

يتوقع أنصار ترامب منه أن يفوق الوصف. ويعتقد خصومه أنه سيكون كارثة. لكن جورج فريدمان يرى أنه سيكون الرئيس الـ45 للولايات المتحدة؛ أي الرجل الـ45 الذي رآه البعض في صورة المسيح ورآه البعض الآخر في صورة الشيطان. ويتشكك فريدمان أنه سيكون أحدهما. فلن يقضي وقته في صنع السياسات، وإنما سينشغل جدًا بما فعله الرؤساء الآخرون من قبله؛ بما في ذلك إجراء مكالمات يتوسل فيها لأعضاء الكونغرس لتمرير مشروع تصريح له من اللجان، ومعه القليل جدًا من العروض أو التهديدات. سيساوم ترامب حول الكثير من الأشياء ليحصل على القليل جدًا مما يريد.

المصدر : صحيفة اليوم