"القبيلة" الرقم الصعب في معادلة إدارة الدولة بجنوب السودان
"القبيلة" الرقم الصعب في معادلة إدارة الدولة بجنوب السودان

"القبيلة والعصبية القبلية" رهان مهم للحياة في جنوب السودان، فالقبيلة تحافظ، في ظروف النزاع وانعدام الأمن، على قيم بقاء مهمة لمصلحة الناس؛ ففي الجمهورية الوليدة حديثا، في عام 2011، تضطلع القبائل بدور رئيسي في تسيير الحياة والشؤون العامة للمواطنين.

وتمكنت القبائل من إقامة دولة جنوب السودان عبر تاريخ طويل ممتد لعشرات السنين قادته قبيلة الدينكا رفقة مع قبيلتي النوير والشلك، وعلى عكس ما يوثقه علماء الانثربولوجي تأتي القبلية في صدارة قوام الدولة بحيث استند تكوين هذه الدولة الشقيقة إلى الإمكانات القبلية معززة من مؤسسات الدولة.

وقد خلقت قبيلة الدينكا الحاكمة في جنوب السودان من النظام المؤسسي نوعا من التأقلم والوئام القبلي، فالولاءات القبلية عضدتها ولاءات للدولة وذابت معها أركان الانتماء ما بين القبيلة والدولة لتكون في صلب وجدان مواطني جنوب السودان.
وتسعى القبائل في هذا البلد إلى مساعدة الدولة الوليدة وإن طال نضالها في هذا الشأن، ولكن في مجمله بات في شكل تنظيمي جديد تحيا فيه القبائل مع بنيان تنظيمي، ويبدو أن قبيلة الدينكا هي الأكثر بزوغا في تأدية أدوار المجتمع المدني الذي لم يدخل شكله، بتعريفاته الحديثه، بعد في جنوب السودان.

فتعمل قبيلة الدينكا الحاكمة، حيث ينتمي إليها الرئيس سالفا كير ميارديت، على استقطاب ولاءات أبنائها نحو مؤسسات الدولة الوليدة في مزيج فريد وانسجام متأصل من الاحساس بسمو القبيلة والدولة معا.

فالقبيلة لا تزال نمطا قويا في جنوب السودان، حيث انتجت نوعا من الثقافة السياسية ذات الخصوصية المتفردة في محيطها الإفريقي، فالقبيلة بالجنوب، في قالبها البنائي، محفزة على إنتاج الزعامات ما يعزز مستويات الإحساس بالمسؤوليات الاجتماعية والمجتمعية لدى الفرد تجاه تلك الدولة والحكومة، وهو ما يبرز معها الإحساس المتزايد بالوطنية والولاء ويواجه إحساسا موازيا لدى مؤسسات الدولة، التي تسعى للتشكل، لينتج مفهوم المواطنة.

وتتجلى عوامل التطور في مفهوم القبيلة في جنوب السودان من المعني التقليدي القديم إلى معان أكثر تنظيمية نسبيا، حيث تلاشى المفهوم القديم، تحت آمال الاستقلال عن دولة السودان (الشمال)؛ ما أثقل من مهام القبيلة وأدوارها نحو دور أكثر تطلعا لإعادة بناء دولة تنسجم مع روح واهتمامات هذه القبائل على قاعدة مؤسساتية صلبة قوامها قبلي.

ويتشكل المجتمع القبلي في جنوب السودان من نحو 63 قبيلة، وينقسم إلى (قبائل نيلية)، وهي قبائل: الدينكا والنوير والشلك وباري والأشولي والجور والشيرلوك، والمجموعة القلبية الأخرى هي (القبائل النيلية الحامية)، وأطلق عليها هذا المسمى لكونها تشترك مع القبائل النيلية في كثير من السمات السلالية واللغوية وأيضا نمط الحياة غير أن الفرق يكمن في لون بشرتهم الأكثر سوادا من النيليين، وهذه القبائل هي: الباريا واللاتوكا والمورلى والمنداري والتبوسا والتوركاتا .

كما يتشكل مجتمع القبيلة في جنوب السودان أيضا من المجموعة السودانية، التي سميت بهذا لكونها تقع غرب النيل وقرب الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية للسودان، وينتمي إليها: الزاندي والمادي والموز والبون والقريش.

وتبرز قبيلة (الدينكا) كأكبر قبيلة في جنوب السودان وأكثر نفوذا، حيث ينتمي إليها رئيس جنوب السودان سالفا كير ميار ديت، ويقوم اقتصادها على الرعي، حيث إنها تمتلك ثروة حيوانية كبيرة من الأبقار والأغنام والضأن، كما يتشكل اقتصادها من الزراعة لاسيما الذرة بنوعيها والفول السوداني والسمسم واللوبيا، ويبرز الصيد كأحد أبرز أدواتها (الدينكا) الاقتصادية، حيث يتركز في مناطق التيجان والأنهار والخيران والأودية.

وتسكن (الدينكا) في اتساع جغرافي يمتد من شمال مديريات بحر الغزال والنيل الأعلى إلى جنوب كردفان، ويبلغ تعداد المنتمين إليها نحو 8ر35 % من إجمالي السكان البالغ عددهم 12 مليونا و530 ألفا و717 نسمة، وهو آخر إحصاء أجري تم في عام 2016، وتتكون (الدينكا) من عدة بطون وعشائر، وهي الدينكا بور الذي ينحدر منها جون قرنق الزعيم والأب الروحي للحركة الشعبية لتحرير السودان، إضافة إلى الملوال وهي أكبر فرع في الدينكا، وأدوت وأبوك والنجوك.

وتحل قبيلة (النوير) كثاني أكبر جماعة عرقية في جنوب السودان تعدادا ونفوذا ويبلغ عدد أبنائه نحو مليوني نسمة، وينحدر منها زعيم المعارضة المسلحة رياك مشار، ومن أبرز أبنائها أيضا تعبان دينق نائب رئيس الجمهورية، الذي حل محل مشار في أعقاب التمرد الذي نفذه، وتنتمي (النوير) إلى أصل سلالي واحد مع (الدينكا)، وتتركز تجمعاتها في الشرق بحوض نهر سوباط، بولاية النيل الأعلى، وفي غرب الدولة عند منطقة (غرب النوير) التي تشكل كامل مساحة ولاية الوحدة، عاصمتها (بانتيو).

ويقوم اقتصاد النويريين على الرعي في المقام الأول، فهم يعتبرونها أرقى وأشرف مهنة عرفها الإنسان وكافة المهن دون ذلك هى محتقرة بالنسبة إليهم.

أما قبائل الشلك، وهي الأقل تعدادا سكانيا، مقارنة بقبيلتي الدينكا والنوير، ولم يظهر تعداد واضح للمنتمين إليها ، غير أن تعدادا غير رسمي أظهر أنهم يبلغون عشرات الآلاف، وتعيش (الشلك) في الجانب الغربي للنيل الأبيض من كاكا شمالا حتى بحيرة نو جنوبا، ومن أبرز ساساتها الذين ناضلوا من أجل استقلال الجنوب "لام أكول".

واقتصاد القبيلة يرتكز على صيد الأسماك لاسيما في مناطق النيل الأبيض حيث يقتطنون على جانبها الغربي، إضافة إلى المستنقعات المنتشرة على جانبي النيل.

المصدر : صدي البلد