الإخوان بين الاغتراب والمحاكاة.. رسالة القمة العربية نموذجًا
الإخوان بين الاغتراب والمحاكاة.. رسالة القمة العربية نموذجًا

جاءت رسالة الإخوان المسلمين (مكتب لندن) إلى القمة العربية الـ29، فاجعة بكل المقاييس لكل قطاعات الإسلاميين، وفي القلب منهم جمهور الإخوان. تأتي القمة في خضم الأحداث الساخنة التي تشهدها المنطقة العربية من وطن ممزق، وأمة مستباحة عرضها، وشلال دماء الشباب لا يتوقف.

ربما مشهد اجتماع ملوك ورؤساء الوطن العربي قد اعتدنا عليه منذ الصغر؛ لأنه لا يخرج إلا ببيانات الشجب والإدانة وتوصيات لا محل لها من الإعراب، ومما متفق عليه أن قيمة هؤلاء الرؤساء لا تزيد قيمة على الكرسي الذى يحملهم؛ إذ لا يحركون ساكنًا، وربما كان وصف المسيري رحمه الله بأنهم نخب وظيفية كان أدق التوصيفات.

إلا أن المدهش والمثير للشفقة أن يخرج بيان من أحد شقي الإخوان ما يسمى إعلاميًّا (جبهة عزت) يدعو فيه هؤلاء الذين يعملون بالوكالة لصالح الدول الاستعمارية بـ«السادة أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء وأمراء الدول العربية» في مشهد لن ينساه التاريخ، إذ كيف يعقل أن تكون جماعة تُحارب علنًا وتستأصل شأفتها ويراد القضاء عليها وعلى فكرتها من خلال القتل والاعتقال والتصفيات الجسدية، وحصارها إعلاميًّا واقتصاديًّا حتى وصل بها إلى أسوأ حال كما تبدو عليه الآن، وبالرغم من ذلك تُقدم الجماعة هذا البيان المخزي حقًّا إلى النخب الجسرية التي تؤدي وظيفتها المكلفة بها من قبل أسيادها في الغرب وأمريكا.

بالفعل كانت هذه افتتاحية البيان الموجه للقمة العربية، وبمحاولة فك شفرة الشخصية الإخوانية الكاتبة لهذا البيان تجد أنها لا تقل وصفًا بأنها خيانة للمبادئ والقيم على حد سواء، فالأمر لم يعد مجرد مهاترات من مجموعة من العجائز يُحكمون قبضة الجماعة بعقول عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة لإدراك متغيرات الواقع واستشراف المستقبل.

إن كتابة مثل هذا البيان يأتي من مكنون شخصية تحارب من أجل إثبات أن الإخوان تنظيم لا يريد الاغتراب عن المجتمع، أو مغايرة العرف العام. وهذا ما أكد عليه الأستاذ حسن البنا رحمه الله عندما أكد : «تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد». وأنا أعتقد أن البنا كان مقصده بعيدًا كل البُعد عما فهمه أبناؤه وما يفعلونه الآن (رسالة القمة العربية نموذجًا).

إن مشكلة الشخصية الإخوانية تأتي من الإصرار على عدم مجابهة المجتمع، ومخالفة أعرافه، وتأكيد احترامها بل وتقديرها إن لزم الأمر، إن كان في ذلك مصلحة للدعوة والدين. ويظهر هذا الاغتراب كسلوك فردي يتميز به جماعة الإخوان دونًا عن أقرانها من التنظيمات الإسلامية كالسلفية والجهاد والجماعة الإسلامية.

يبدو هذا جليًا حتى في سلوك الفرد اليومي، فتلاحظ أن لحيته تبدو خفيفة نوعًا ما، وكأنه ليس ملتحيًا ذلك حتى لا يزيد من الفجوة بينه وبين الناس، كما تجد أثر ذلك في اعتقاده عن بعض القضايا الفقهية والمُختلف فيها، فتراه يتبنى رأي المجتمع ويسايره حتى لا يكون ضحية الاصطدام معه حال الاختلاف.

وربما يكون الحل في اعتراف هذا النمط من الشخصية بحقيقة الأزمة، ومنها معرفة أسبابها وطبيعة سماتها، ثم إدراك إيجابيات التخلي عنها والتفكر في عواقب محاكاة المجتمع والنتائج المترتبة عليه، وتعظيم قيمة الثبات على القيم والمبادئ حتى وإن كان فيه مغايرة العُرف والسلوك العام. عندئذ يمكن الوصول إلى ثقافة الاغتراب تدريجيًّا.

المصدر : ساسة بوست